دعاش الخير محمد حسن كبوشية هل انتهى مفعول اتفاقية 1959؟

هناك سؤال ظل لعقود يُعتبر من المحرمات السياسية في السودان: هل كانت اتفاقية مياه النيل لعام 1959 إنجازًا وطنيًا أم تنازلًا تاريخيًا؟ ربما آن الأوان لأن نطرحه دون خوف.
في ذلك العام، وافق السودان على أن تغرق مدينة وادي حلفا تحت مياه السد العالي، وأن تُقتلع عشرات الآلاف من الأسر النوبية من أرض عاشت فيها آلاف السنين، وأن يفقد جزءًا من آثاره وتاريخه وجغرافيته. لم يكن الثمن مجرد بيوت غرقت، بل حضارة كاملة انتقلت من ضفاف النيل إلى صفحات الكتب.
قيل يومها إن المصلحة القومية تقتضي ذلك، وإن التعويضات ستجبر الضرر، وإن اتفاقية 1959 ستضمن حقوق السودان المائية إلى الأبد لكن السياسة لا تعرف كلمة “إلى الأبد”.

اليوم، وبعد أكثر من ستة عقود، لم يعد حوض النيل هو حوض النيل الذي عرفه مفاوضو خمسينيات القرن الماضي. فقد أصبح سد النهضة الإثيوبي الكبير حقيقة قائمة، وأصبحت اتفاقية عنتيبي نافذة بين عدد من دول المنبع، بينما تغيّرت موازين القوى، وتبدلت مفاهيم القانون الدولي للمياه من فكرة “الحقوق التاريخية المطلقة” إلى مبادئ أكثر اتزانًا، مثل “الاستخدام المنصف والمعقول” و”عدم التسبب في ضرر ذي شأن”.
وهنا يبرز السؤال الكبير إذا كانت الظروف التي وُقعت فيها اتفاقية 1959 قد تغيّرت جذريًا، فهل يملك السودان حق المطالبة بمراجعتها؟

القانون الدولي لا يقدم إجابة سهلة، لكنه يفتح بابًا للنقاش. فهناك مبدأ يعرف بـ”التغير الجوهري في الظروف”، وهو لا يعني أن أي دولة تستطيع تمزيق اتفاقية لمجرد أنها لم تعد تعجبها، وإنما يتيح – في ظروف استثنائية ومحددة – المطالبة بإعادة النظر عندما تتغير البيئة القانونية أو السياسية أو الفنية التي قامت عليها الاتفاقية بصورة جوهرية. وفي المقابل، يظل تطبيق هذا المبدأ محل نقاش قانوني، ولا يضمن وحده إنهاء اتفاقية مثل اتفاقية 1959.
أما سياسيًا، فالأمر أكثر حساسية ليس من مصلحة السودان الدخول في صدام مع مصر، فالعلاقة بين البلدين أكبر من ملف المياه وحده. لكن ليس من مصلحة السودان أيضًا أن يبقى أسير معادلات كُتبت قبل أكثر من ستين عامًا، بينما العالم من حوله يتغير كل يوم.

ولعل السؤال الأكثر إيلامًا ليس: كم تبلغ حصة السودان من مياه النيل؟بل كم استفاد السودان أصلًا من هذه الحصة؟
فلا تزال ملايين الأمتار المكعبة تمر كل عام دون استغلال كامل، بينما تتراجع مشروعات الري، وتتقلص الرقعة الزراعية، وتتعثر خطط التنمية. المشكلة لم تكن يومًا في الأرقام وحدها، بل في إدارة المورد نفسه.
ثم ماذا عن أهالي حلفا؟هل أنصفهم التاريخ؟
هل يمكن لأي مبلغ مالي أن يعوض مدينة غرقت، أو مقابر أجداد اختفت، أو ذاكرة اقتُلعت من جذورها؟
هذه الأسئلة لا ينبغي أن تُطرح لإحياء الخصومات، وإنما لتصحيح المسار.
أخر الدعاش :
إن مراجعة اتفاقية 1959 لا تعني إعلان الحرب على أحد، ولا تعني التنكر للعلاقات الأخوية مع مصر، بل تعني أن السودان، مثل أي دولة ذات سيادة، يملك حق مراجعة مصالحه الوطنية كلما تبدلت الظروف. وقد تكون النتيجة الإبقاء على الاتفاقية، أو تعديل بعض بنودها، أو فتح حوار إقليمي أوسع يواكب الواقع الجديد في حوض النيل.
فالاتفاقيات ليست نصوصًا مقدسة، وإنما أدوات لتحقيق مصالح الشعوب. وإذا تغيرت المصالح، فمن الطبيعي أن يُطرح السؤال، وأن يُفتح النقاش، وأن يُبحث عن أفضل السبل لحماية حق السودان في مياهه وأرضه ومستقبله.
ويبقى السؤال الذي لا بد أن يجيب عنه صناع القرار
إذا لم يكن هذا هو زمن مراجعة اتفاقية 1959فمتى يكون؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى