اثيوبيا : حدود ملتهبة واتهامات بالتواطؤ
كيف تُشعل العلاقة بين السودان وإثيوبيا جبهة جديدة للصراع؟

خاص :visionnews.news
باتت الحدود السودانية الإثيوبية الطويلة والمترامية أكثر من مجرد خط جغرافي فقد تحولت إلى مسرح مفتوحلاتهامات بالتدخل العسكري المباشر وتقويض السيادة، في مشهد يعقد الحرب التي يقودها الجيش السوداني ضد مليشيات و مرتزقة الدعم السريع ويربطها بمصالح إقليمية أوسع.
تتهم الحكومة السودانية والقادة العسكريون إثيوبيا، بدور “متواطئ” في دعم مليشيات الدعم السريع، وهو اتهامتنفيه أديس أبابا جملة وتفصيلاً، لكنه يظل حجر عثرة في علاقتهما ويشكل تهديداً مباشراً لأمن القرن الأفريقي.
الاتهامات السودانية من فتح الحدود إلى “القواعد العسكرية”
تصاعدت حدة الخطاب الرسمي السوداني خلال الأشهر الماضية، ليتجاوز الإشارات العامة إلى اتهامات محددةوواضحة حددت فيها وفق بيانات صادرة عن الجيش السوداني ووزارة الخارجية أن القوات الإثيوبية “تفتح حدودها”أمام مليشيا الدعم السريع، مما يمكنهم من الهروب من الضربات العسكرية في مناطق مثل ولاية النيل الأزرقالحدودية، وإعادة التجمع والتسليح داخل الأراضي الإثيوبية قبل شن هجمات جديدة. وتصف الخرطوم هذا الأمر بأنه“خرق صارخ للسيادة والحياد”.
ولا تقتصر الاتهامات على السماح بالعبور، بل تتحدث مصادر أمنية سودانية عن تقديم دعم لوجستي يشملالإمدادات والتموين، بل وتدريب عناصر في معسكرات داخل إثيوبيا، مما يرقى من وجهة النظر السودانية إلى مستوىالتعاون العسكري المباشر مع فصيل مسلح في حرب وجودية تستهدف الشعب السوداني .

قاعدة المسيرات: الاتهام الأكثر خطورة والأشد تعقيداً
أكثر الاتهامات إثارة للجدل هي تلك المتعلقة بـ “قاعدة إطلاق الطائرات المسيرة المسلحة”. وفقاً لتقاريراستخباراتية غربية (أمريكية وبريطانية بشكل أساسي) ومسربة إلى وسائل إعلام عالمية قالت ان اثيوبيا كانت تُديرعمليات إطلاق طائرات مسيرة (مثل طراز “وينق لونج”) من قاعدة داخل اقليم امهرا الإثيوبي لدعم مليشيات الدعم السريع وقد حددت بعض التقارير موقع القاعدة في منطقة “أشام” شرق امهرا، بينما أشارت أخرى إلى مطار“هارا ميدا” العسكري وذكرت التقارير ان الغرض كان توفير غطاء جوي قاتل ودقيق لدعم تقدم مليشيات الدعمالسريع، خاصة خلال المعارك الضارية في الخرطوم ومدن دارفور.
وتربط هذه التقارير إنشاء هذه القاعدة وتشغيلها بدعم من الإمارات العربية المتحدة، الحليف الإقليمي لكل منإثيوبيا والدعم السريع. وتشير إلى أن الحكومة الإثيوبية وافقت على ذلك مقابل دعم سياسي ومالي إماراتي، خاصةخلال أزمتها الاقتصادية والحرب ضد تيغراي.
الدوافع الإثيوبية بين حسابات المصلحة والصراع الداخلي
في مواجهة هذه الاتهامات، يطرح المحللون عدة دوافع محتملة للحكومة الإثيوبية، رغم نفيها الرسمي ، حيث يرى مراقبون أن أديس أبابا قد تستخدم ورقة الدعم السريع لإبقاء الجيش السوداني (الذي تربطه علاقاتتقليدية بمصر) منشغلاً بحربه الداخلية، مما يضعف الموقف التفاوضي الموحد للخرطوم والقاهرة في ملف سدالنهضة الإثيوبي، وهو الملف الاستراتيجي الأهم لأديس أبابا.
كذلك تجدر الاشارة هنا الي العلاقات التي تربط تحالفات قبلية وشخصية قوية بين قيادات نافذة في حكومة إقليمأمهرا الإثيوبي (الذي يحكم البلاد) وقيادات في الدعم السريع، تعود إلى فترة التحالف العسكري ضد جبهة تيغرايخلال الحرب الإثيوبية 2020-2022.
كذلك يذهب مراقبون الي ان حكومة آبي أحمد تواجه ضغوطاً هائلة داخلية من أزمات اقتصادية وصعود مطالبانفصالية في أوروميا وغيرها لذا يرى صناع القرار أن لعب دور إقليمي في السودان يصرف الانتباه أو يعزز وضعهمالتفاوضي الإقليمي.

الإنكار الإثيوبي والتداعيات الإقليمية
تصر الحكومة الإثيوبية على رواية مختلفة تماماً حيث تنفي وزارة الخارجية الإثيوبية باستمرار أي تدخل في الشؤونالداخلية للسودان، وتؤكد التزامها بسيادة الجار الغربي، وتدعو إلى حل سلمي للأزمة. كما تشير أديس أبابا إلىاستضافتها لجولات مفاوضات بين الأطراف السودانية كدليل على نواياها الحسنة.
ومع ذلك، فإن استمرار هذه الاتهامات له تداعيات خطيرة تتمثل في تأجيج الصراع السوداني فأي دعم حقيقي منجانب إثيوبيا يطيل أمد الحرب ويجعل حلاً عسكرياً مفاجئاً لصالح أي طرف أكثر صعوبة و توتير العلاقات الثنائية إلىأقصى حد مما يهدد هذا الملف بقطع العلاقات الدبلوماسية أو حتى مناوشات عسكرية حدودية بين البلدين وتعقيدجهود السلام الإقليمية مما يصعب على الوساطات الإفريقية أو الدولية بناء ثقة عندما يكون أحد اللاعبين الإقليميينالرئيسيين متهمًا بدعم طرف في الصراع.
ورقة ضغط في لعبة إقليمية خطرة
باتت الاتهامات السودانية للإدارة الإثيوبية تمثل أكثر من مجرد اتهامات دبلوماسية روتينية. إنها تشير إلى إمكانيةتحول الحدود بين البلدين إلى جبهة بالوكالة، حيث تتقاطع مصالح إثيوبيا الداخلية وتحالفاتها الإقليمية (معالإمارات) مع الصراع على السلطة في السودان.
بين الإنكار الإثيوبي والإصرار السوداني، تكمن حقيقة أن استقرار السودان لم يعد شأناً داخلياً فقط، بل أصبح رهناًبتوازنات قوى إقليمية معقدة، تضع حدود الدول تحت اختبار فهل يعيد هذا الواقع رسم خريطة التحالفات والنزاعات في منطقة القرن الأفريقي الهشة أصلاً؟