واردات السودان من السلع الأساسية تهيمن على فاتورة الاستيراد رغم حظر الكماليات
32% من الواردات لأربع سلع فقط...ميزانية ضئيلة للسلع المشمولة بقرار الحظر

تقرير : محمد كبوشية
كشفت أرقام رسمية صادرة عن بنك السودان المركزي، ضمن الموجز الإحصائي لواردات العام 2025م، عن تفاقم الإنفاق على السلع الأساسية الحيوية (القمح، الدقيق، البترول، والسكر) مقارنة ببقية السلع، وذلك في وقت تشهد فيه البلاد حربًا مستعرة ونقصًا حادًا في العملة الصعبة. وبينما تصارع الحكومة عبر قرارات حظر استيراد السلع الكمالية لترشيد النفقات، تظهر الأرقام أن فاتورة استيراد أربع سلع فقط تجاوزت الملياري دولار، ما يطرح تساؤلات حول جدوى سياسات الترشيد في ظل اعتماد السودان شبه الكلي على الخارج لتأمين الغذاء والطاقة.

visionnews.news
حجم الإنفاق الهائل على أربع سلع
وفقًا للبيانات، بلغت قيمة واردات البترول (بنزين وجازولين) 807.84 مليون دولار، وهي أعلى فاتورة استيراد فردية، مما يعكس شلل قطاع التكرير المحلي وتوقف الإنتاج النفطي في العديد من الحقول بسبب العمليات العسكرية. وتشير تقديرات غير رسمية إلى أن السودان يستورد نحو 85% من احتياجاته من المنتجات البترولية، وسط انهيار شبه كامل لمصفاة الخرطوم التي كانت تزود البلاد بجزء كبير من حاجتها.
وجاءت واردات السكر في المرتبة الثانية بقيمة 552.81 مليون دولار، وهو رقم لافت في بلد يمتلك موارد زراعية هائلة وكان يومًا مكتفيًا ذاتيًا من السكر، لكن توقف مصانع السكر الكبرى (كجنيد والنيل الأبيض) جراء الحرب أدى إلى تحول السودان إلى مستورد صافٍ لهذه السلعة الاستراتيجية.
أما القمح فبلغت وارداته 413.61 مليون دولار، يليه دقيق القمح بـ232.57 مليون دولار، ليصبح مجموع ما يُنفق على القمح ومنتجاته الأولية نحو 646.2 مليون دولار. وبمقارنة هذا الرقم مع تعداد السكان (حوالي 51.7 مليون نسمة وفق آخر تقديرات الأمم المتحدة قبل الحرب)، فإن متوسط الإنفاق على استيراد القمح وحده يبلغ نحو 12.5 دولارًا لكل فرد سنويًا، وهو رقم يبدو متواضعًا لكنه يعكس أزمة حقيقية في توفير الخبز الذي يعتبر المادة الأساسية في النظام الغذائي السوداني.

visionnews.news
32% من الواردات لأربع سلع فقط
وبجمع هذه الأرقام الأربعة (البترول، السكر، القمح، دقيق القمح)، يصل المجموع إلى حوالي 2.006 مليار دولار. وبالمقارنة مع إجمالي الواردات السودانية لعام 2025 (التي تشير تقديرات أولية إلى أنها بلغت نحو 6.3 مليار دولار)، فإن هذه السلع الأربع تستحوذ على ما يقارب 32% من إجمالي فاتورة الاستيراد. وهو تركيز خطير يعرض الأمن الغذائي والطاقي للبلاد لأي صدمة خارجية، سواء في أسعار السلع العالمية أو تغيرات أسعار الصرف.
ميزانية ضئيلة للسلع المشمولة بقرار الحظر
في مقابل هذا الإنفاق الضخم، أصدر رئيس الوزراء السوداني (وفقًا للمصادر) قرارًا بحظر استيراد عدد من السلع بناءً على قائمة حددتها وزارة التجارة، شملت “الحلويات والبسكويت، المشروبات المعدنية، الأسمنت والمنتجات الحجرية، الملبوسات الجاهزة، وبعض الخضروات والفواكه ومنتجاتها”. لكن الأرقام تُظهر أن قيمة واردات هذه السلع مجتمعة لا تتجاوز 490 مليون دولار فقط، موزعة كالتالي:
· الأسمنت والمنتجات الحجرية: 225.51 مليون دولار.
· الملبوسات الجاهزة: 72.20 مليون دولار.
· الخضروات والفواكه ومنتجاتهما: 67.90 مليون دولار.
· المشروبات المعدنية: 25.86 مليون دولار.
· الحلويات والبسكويت: 25.08 مليون دولار.
· الأرز: 73.53 مليون دولار (والأرز وإن لم يذكر صراحة في قائمة الحظر إلا أنه سلعة استهلاكية واسعة). visionnews.news
هذه الأرقام تشير إلى أن توفير 490 مليون دولار في حال تطبيق الحظر بفعالية سيكون مجرد قطرة في محيط فاتورة الاستيراد التي تتجاوز 6 مليارات دولار، كما أن بعض هذه السلع (كالأسمنت) قد تكون ضرورية لأعمال إعادة الإعمار في مناطق متضررة من الحرب.
تأثير الحرب والاكتظاظ السكاني
تضاعف الحرب من استهلاك الوقود، ليس فقط لتشغيل المولدات الأهلية والطوارئ في ظل انقطاع الكهرباء، ولكن لتحريك الآليات العسكرية واللوجستية للنازحين والمساعدات. وتشير التقديرات إلى أن عدد المركبات في السودان يزيد عن 2.5 مليون مركبة، معظمها يعمل بالبنزين أو الديزل، إضافة إلى مئات الآلاف من المولدات الصغيرة. هذا الطلب الهائل، في ظل انقطاع الإمدادات المحلية، يفسر الرقم القياسي لواردات البترول.
أما القمح والسكر، فارتفاع الطلب عليهما مرتبط بالنزوح الداخلي: تقارير المنظمات الإنسانية تشير إلى أن أكثر من 10 ملايين نازح داخل السودان، وهم بحاجة إلى أغذية جاهزة أو سريعة التحضير. الخبز والمشروبات المحلاة أصبحا العمود الفقري لمعيشة العديد من الأسر النازحة.visionnews.nesw
الخلاصة
أن قرارات الحظر التي تستهدف السلع الكمالية، رغم أهميتها الرمزية في ترشيد الاستهلاك، تبقى غير كافية لمعالجة الاختلال الهيكلي في الميزان التجاري. الحل الجذري يتطلب:
1. توطين صناعة تكرير البترول عبر إعادة تأهيل المصافي المتضررة، أو إنشاء وحدات تكرير صغيرة في المناطق الآمنة.
2. دعم الإنتاج المحلي للقمح من خلال توفير التقاوي والأسماد للمزارعين في المناطق الخالية من العمليات العسكرية (مثل شمال وشرق السودان).
3. إحياء مصانع السكر عبر شراكات مع القطاع الخاص الإقليمي، لأن الاستيراد سيظل مرهقًا طالما السودان يمتلك أرضًا ومياهًا صالحة لزراعة قصب السكر.
4. مراجعة قائمة الحظر دوريًا بما يتناسب مع احتياجات إعادة الإعمار، مع استثناء مواد البناء والأسمنت لدعم مشاريع العودة الطوعية.
في النهاية، تبقى الحرب هي العامل الأكبر في تفاقم فاتورة الاستيراد، وأي حديث عن ترشيد الواردات دون وقف لإطلاق النار واستقرار اقتصادي لن يكون سوى مسكنات مؤقتة.