حين يُعاقَب المُصدِّر ويُكافَأ المستورد.. هل تعيد الحكومة النظر في سياسات حصائل الصادرات؟

هل تعيد الحكومة النظر في سياسات حصائل الصادرات؟
تقرير :visionnews
في الوقت الذي يبحث فيه السودان عن مخرج من أزمته الاقتصادية الخانقة، تبدو الصادرات اليوم أكثر من مجرد نشاط تجاري؛ فهي تمثل شريان الحياة للاقتصاد الوطني، والمصدر الأكثر استدامة للنقد الأجنبي، والركيزة الأساسية لإعادة الإعمار وتحقيق الاستقرار المالي. غير أن واقع السياسات الحالية يطرح تساؤلاً مشروعاً: هل أصبحت بعض السياسات الاقتصادية تُضعف المصدر بدلاً من دعمه؟
و أنتقد خبراء اقتصاديون الفجوة بين سعر توريد حصائل الصادرات عبر الجهاز المصرفي وسعر الصرف المتداول في السوق، معتبريين أن هذه الفجوة تقلص العائد الحقيقي للمصدر، بينما تمنح ميزة سعرية للمستورد. ورغم اختلاف الآراء حول تفاصيل السياسة النقدية، فإن القضية تستحق نقاشاً وطنياً هادئاً، لأنها تمس مستقبل الاقتصاد السوداني.
فالمصدر السوداني لا يعمل في ظروف اعتيادية؛ إذ يواجه ارتفاعاً كبيراً في تكاليف الإنتاج، ورسوم النقل، وأسعار الوقود، وأقساط التأمين، إضافة إلى التحديات الأمنية واللوجستية التي فرضتها الحرب. وعندما يُطلب منه إعادة حصائل صادراته بسعر يقل عن السعر الذي يتحمل على أساسه تكاليفه، فإن هامش الربح يتآكل، وقد تتحول عملية التصدير نفسها إلى نشاط غير مجدٍ اقتصادياً.

وتشير الأدبيات الاقتصادية إلى أن الحوافز هي المحرك الأساسي للإنتاج والتصدير. كما تؤكد دراسات صادرة عن صندوق النقد الدولي أن استمرار الفجوة بين أسعار الصرف الرسمية والأسعار السائدة في السوق يؤدي إلى تشوهات في الاقتصاد، ويضعف القدرة التنافسية للصادرات، ويشجع انتقال جزء من النشاط إلى القنوات غير الرسمية، مما يقلل في نهاية المطاف من تدفق النقد الأجنبي إلى الجهاز المصرفي.
ومن ناحية أخرى، فإن الهدف المشروع للحكومة في توفير العملات الأجنبية لتمويل الواردات الأساسية، مثل القمح والدواء والوقود ومدخلات الإنتاج، لا ينبغي أن يتحقق على حساب القطاع الذي يوفر هذه العملات أصلاً. فالمعادلة الاقتصادية واضحة؛ لا يمكن تمويل الواردات بصورة مستدامة إذا تراجعت الصادرات.
لقد أثبتت تجارب العديد من الدول، مثل فيتنام ورواندا وإندونيسيا، أن الطريق إلى استقرار العملة الوطنية وزيادة الاحتياطيات الأجنبية يبدأ بدعم المنتج والمصدر، عبر توفير بيئة تنافسية، وسياسات صرف مرنة، وتمويل ميسر، وحوافز تشجع على زيادة الإنتاج والتصدير، وليس عبر تقليص عوائد المصدرين.
واليوم، يمتلك السودان من المقومات ما يؤهله ليصبح قوة تصديرية في إفريقيا والشرق الأوسط؛ فهو يمتلك أراضي زراعية شاسعة، وثروة حيوانية ضخمة، وموارد معدنية واعدة، وأسواقاً تقليدية تبحث عن المنتجات السودانية. غير أن هذه الإمكانات لن تتحول إلى عائد اقتصادي حقيقي ما لم تُراجع السياسات التي تؤثر بصورة مباشرة في تنافسية الصادرات.

ويرى خبراء الاقتصاد أن المرحلة الحالية تستوجب حزمة من الإصلاحات، في مقدمتها تقليص الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق، وإعادة النظر في سياسات حصائل الصادرات، والسماح للمصدرين بالاحتفاظ بجزء من حصائلهم لاستيراد مدخلات الإنتاج، إلى جانب إزالة الرسوم والجبايات غير الضرورية، وتوسيع التمويل المصرفي للقطاع التصديري، وإنشاء منصة مؤسسية دائمة للحوار تضم بنك السودان المركزي ووزارة المالية ووزارة التجارة والغرفة القومية للمصدرين واتحاد أصحاب العمل.
إن السودان اليوم لا يحتاج إلى صراع بين المصدر والمستورد، وإنما إلى سياسة اقتصادية تحقق التوازن بينهما، لأن كليهما جزء من دورة الاقتصاد. لكن الحقيقة التي لا يمكن تجاوزها هي أن المصدر هو من يجلب النقد الأجنبي، بينما يعتمد عليه المستورد في تمويل احتياجاته. ومن ثم، فإن أي سياسة تقلل من حوافز التصدير قد تحقق مكاسب مؤقتة، لكنها تحمل في طياتها مخاطر أكبر على الاقتصاد الكلي.
لقد آن الأوان لفتح حوار اقتصادي مسؤول حول سياسات حصائل الصادرات، بعيداً عن الاتهامات والانحيازات، فتعافي الاقتصاد السوداني لن يتحقق بزيادة الواردات، وإنما بزيادة الإنتاج والصادرات. فكل حاوية تغادر الموانئ محملة بمنتج سوداني تمثل دعماً للجنيه، وإضافة للاحتياطيات الأجنبية، وفرصة عمل جديدة، وخطوة نحو إعادة بناء اقتصاد أنهكته الحرب.
إن إصلاح سياسة سعر الصرف لم يعد مطلباً لفئة من المصدرين، بل أصبح ضرورة وطنية، لأن قوة الصادرات تعني قوة الاقتصاد، وقوة الاقتصاد هي الضمان الحقيقي لاستقرار السودان في المرحلة المقبلة.