الفشقة في ذاكرة الصراع السوداني ـ الإثيوبي..

من حدود 1902 إلى معارك 2020 واستعادة الجيش للأرض

 

VisionNews – تقرير خاص

تمثل أراضي الفشقة واحدة من أكثر الملفات حساسية في تاريخ العلاقات السودانية ـ الإثيوبية، ليس فقط بسبب موقعها الحدودي، وإنما لما تتمتع به من أراضٍ زراعية خصبة، ولأنها تحولت على مدى عقود من قضية حدودية قابلة للإدارة السياسية إلى ملف سيادي وأمني كاد أكثر من مرة أن يدفع الخرطوم وأديس أبابا إلى مواجهة عسكرية واسعة.

وعلى خلاف الصورة التي تقدم الفشقة باعتبارها مجرد «أرض متنازع عليها»، يتمسك السودان بأن المنطقة تقع داخل حدوده وفق الاتفاقيات والترتيبات الحدودية التي تعود إلى مطلع القرن العشرين، وأن جوهر المشكلة لم يكن في ملكية الأرض بقدر ما كان في التوسع الزراعي والاستيطاني الإثيوبي داخل الأراضي السودانية، ثم الخلاف حول تثبيت الحدود على الأرض.

وبين اتفاقيات 1902، وعقود من وجود المزارعين الإثيوبيين، والتفاهمات السياسية بين الخرطوم وأديس أبابا، وصولاً إلى حرب تيغراي وإعادة انتشار الجيش السوداني في 2020، تشكلت واحدة من أعقد أزمات الحدود في القرن الإفريقي.

الفشقة.. أرض زراعية في قلب الجغرافيا المضطربة

تقع الفشقة في ولاية القضارف شرقي السودان على الحدود مع إثيوبيا، وتنقسم عادة إلى الفشقة الكبرى والفشقة الصغرى.

وتتميز المنطقة بتربة خصبة وأمطار موسمية جعلتها من المناطق ذات القيمة الزراعية العالية، وترتبط جغرافياً بنهري ستيت وعطبرة والمناطق الحدودية المقابلة لإقليمي أمهرة وتيغراي في إثيوبيا.

لكن قيمة الفشقة تتجاوز الزراعة.

فالمنطقة تقع ضمن نطاق استراتيجي بالغ الحساسية تتقاطع فيه الحدود السودانية والإثيوبية والإريترية، وعلى مقربة من مناطق ظلت خلال السنوات الماضية مسرحاً لصراعات إثيوبية داخلية.

ولهذا أصبحت الفشقة بالنسبة إلى السودان قضية سيادة وأمن قومي، وليست مجرد خلاف بين مزارعين.

1902.. أين بدأت القصة؟

لفهم قضية الفشقة لا بد من العودة أكثر من قرن إلى الوراء.

ففي عام 1902 أُبرمت اتفاقية بين الإمبراطور الإثيوبي منليك الثاني وبريطانيا، التي كانت تدير السودان مع مصر في ظل الحكم الثنائي، لتنظيم الحدود بين السودان وإثيوبيا.

وتلت ذلك عمليات لترسيم أجزاء من الحدود ميدانياً ارتبطت باسم الضابط البريطاني تشارلز غوين.

ويستند السودان إلى هذه الاتفاقيات والترتيبات في تأكيد سيادته على الفشقة.

ومن هنا يقوم الموقف السوداني الرسمي على أن الجيش عندما أعاد انتشاره في المنطقة لم يدخل أراضي دولة أخرى، وإنما عاد إلى أراضٍ سودانية كانت أجزاء منها خاضعة لوجود واستغلال زراعي إثيوبي لسنوات طويلة.

هل الفشقة «أرض متنازع عليها»؟

هذا الوصف يحتاج إلى تدقيق.

تستخدم وسائل إعلام دولية وصف «المنطقة المتنازع عليها» بسبب الخلاف السياسي والميداني بين الخرطوم وأديس أبابا.

لكن السودان يرفض، من حيث المبدأ، التعامل مع الفشقة باعتبارها أرضاً مجهولة السيادة، ويتمسك بأن الحدود محددة تاريخياً وأن المطلوب هو تثبيتها ميدانياً ومنع التعديات عليها.

في المقابل، رفضت إثيوبيا الطريقة التي أعاد بها السودان فرض وجوده العسكري في أجزاء واسعة من المنطقة خلال أحداث 2020، واتهمت الخرطوم باستغلال الظروف الداخلية الإثيوبية لتغيير الوضع الذي كان قائماً على الأرض.

وهكذا أصبح الخلاف يدور حول الحدود من جهة، والواقع الذي تشكل عبر عقود من جهة أخرى.

*كيف وصل المزارعون الإثيوبيون إلى الفشقة؟*

على مدى سنوات طويلة دخل مزارعون إثيوبيون من المناطق المحاذية إلى أراضي الفشقة واستثمروا مساحات زراعية داخل المنطقة.

ومع مرور الوقت توسع النشاط.

ظهرت مزارع كبيرة.

وأقيمت تجمعات سكانية.

وتشكلت مصالح اقتصادية ممتدة عبر الحدود.
VisionNews

وفي الوقت نفسه برز نشاط جماعات مسلحة عرفت محلياً باسم «الشفتة»، واتهمها مزارعون سودانيون بتنفيذ عمليات قتل ونهب واختطاف والاستيلاء على أراضٍ وممتلكات.

وهكذا انتقلت المشكلة تدريجياً من تداخل زراعي حدودي إلى ملف أمني وسيادي.

السؤال السوداني: لماذا استمر الوضع لعقود؟

إذا كانت الفشقة سودانية، فلماذا استمر الوجود الإثيوبي فيها كل هذه السنوات؟

هذا السؤال ظل حاضراً بقوة في النقاش السوداني.

جزء من الإجابة يعود إلى طبيعة العلاقات بين الخرطوم وأديس أبابا.

فالحكومات السودانية المتعاقبة سعت في فترات مختلفة إلى تجنب تحويل الخلاف الحدودي إلى مواجهة عسكرية، واعتمد البلدان على لجان مشتركة وتفاهمات سياسية ومحلية لإدارة المشكلة.

لكن استمرار الحلول المؤقتة لعقود أنتج واقعاً جديداً.

وما بدأ باعتباره نشاطاً زراعياً عابراً للحدود تحول إلى وجود اقتصادي وسكاني وأمني يصعب تفكيكه دون أزمة.

البشير وملس زيناوي.. سنوات إدارة الأزمة

شهدت العلاقات السودانية ـ الإثيوبية خلال سنوات حكم الرئيس السوداني السابق عمر البشير ورئيس الوزراء الإثيوبي الراحل ملس زيناوي تقارباً سياسياً كبيراً.

كان السودان بالنسبة إلى إثيوبيا منفذاً مهماً وشريكاً إقليمياً، بينما كانت أديس أبابا لاعباً رئيسياً في ملفات القرن الإفريقي.

ولذلك لم يرغب الطرفان في السماح للفشقة بتدمير العلاقة.

استمرت اللجان.

واستمرت التفاهمات.

لكن المشكلة الأساسية لم تختف.

وبقيت مساحات من الأراضي التي يعتبرها السودان جزءاً من أراضيه تحت استغلال مزارعين إثيوبيين.

وهكذا لم تُحل الأزمة، وإنما جرى تأجيل انفجارها.

2019.. سقوط البشير وتغير قواعد اللعبة

في أبريل/نيسان 2019 سقط نظام عمر البشير.

ودخل السودان مرحلة انتقالية مضطربة.

وفي الجهة الأخرى، كان وصول آبي أحمد إلى رئاسة الوزراء في إثيوبيا قد بدأ يعيد تشكيل التوازنات السياسية داخل الدولة الإثيوبية.

تغيرت التحالفات القديمة.

وتصاعدت التوترات الداخلية في إثيوبيا.

وفي الوقت نفسه دخل ملف سد النهضة مرحلة أكثر حساسية بين السودان ومصر وإثيوبيا.

لكن اللحظة التي غيرت معادلة الفشقة فعلياً جاءت في نوفمبر/تشرين الثاني 2020.

حرب تيغراي تغير المشهد

مع اندلاع الحرب بين الحكومة الفيدرالية الإثيوبية وجبهة تحرير شعب تيغراي في نوفمبر 2020، أصبحت الحدود السودانية ـ الإثيوبية فجأة جزءاً من مسرح إقليمي شديد الاضطراب.

تدفق عشرات الآلاف من اللاجئين نحو الأراضي السودانية.

وانشغلت القوات الإثيوبية بالحرب الداخلية.

وفي تلك الظروف أعاد الجيش السوداني انتشار قواته على الحدود وفي مناطق من الفشقة.

وكان ذلك بداية أكبر تغيير ميداني تشهده المنطقة منذ عقود.

ديسمبر 2020.. الجيش السوداني يعود

خلال ديسمبر/كانون الأول 2020 تصاعدت المواجهات.

وقعت اشتباكات وسقط قتلى وجرحى من القوات السودانية.

ورد الجيش السوداني بتعزيز وجوده والتقدم داخل مناطق كانت لسنوات تحت سيطرة أو استغلال مجموعات ومزارعين إثيوبيين.

وأعلنت الخرطوم أنها استعادت مساحات واسعة من أراضيها.

ومنذ تلك اللحظة تغيرت المعادلة.

لم تعد القضية مجرد شكوى سودانية من وجود إثيوبي داخل الفشقة.

أصبح الجيش السوداني موجوداً على الأرض.

الخرطوم: لم ندخل إثيوبيا

ركز الخطاب السوداني خلال الأزمة على نقطة أساسية:

القوات المسلحة لم تدخل الأراضي الإثيوبية، وإنما انتشرت داخل الحدود السودانية.

ومن وجهة النظر السودانية، لم تكن العملية غزواً أو احتلالاً لأرض إثيوبية، بل استعادة لسيادة الدولة على أراضٍ ظلت خارج السيطرة الفعلية لسنوات.

أما إثيوبيا فقد قدمت رواية مختلفة.

واتهمت السودان باستغلال انشغالها بحرب تيغراي وتغيير الوضع الميداني بالقوة.

وهنا ظهرت بوضوح روايتان متعارضتان:

السودان يقول: استعدنا أرضنا.

وإثيوبيا تقول: الخرطوم غيرت الوضع القائم بالقوة.

هل اندلعت حرب بين السودان وإثيوبيا؟

لم تقع حرب شاملة بين الدولتين بالمعنى التقليدي.

لكن ذلك لا يعني أن ما حدث كان مجرد خلاف دبلوماسي.

وقعت مواجهات مسلحة.

سقط جنود ومدنيون.

تحركت قوات عسكرية على الحدود.

وتبادلت الخرطوم وأديس أبابا الاتهامات.
VisionNews

وفي فبراير/شباط 2021 اتهم السودان قوات إثيوبية بعبور الحدود، في وقت كانت فيه إثيوبيا تتهم الخرطوم بالسيطرة بالقوة على أراضٍ وإجلاء مزارعين إثيوبيين منها.

ولذلك فإن التوصيف الأكثر دقة هو:

التصعيد العسكري السوداني ـ الإثيوبي في الفشقة.

أو:

مواجهات الفشقة 2020 ـ 2021.

فالأزمة اقتربت من الحرب، لكنها لم تتحول إلى مواجهة شاملة بين الجيشين.

سد النهضة.. أزمة فوق الأزمة

ما جعل أزمة الفشقة أكثر خطورة أنها جاءت بالتزامن مع تصاعد الخلاف حول سد النهضة.

ففي تلك المرحلة أصبحت العلاقات بين الخرطوم وأديس أبابا محكومة بملفين شديدي الحساسية:

*الفشقة وسد النهضة.*

وفي الوقت نفسه شهدت العلاقات العسكرية بين السودان ومصر تقارباً ملحوظاً، وهو ما أثار حساسيات إضافية في أديس أبابا.

وهكذا لم تعد الفشقة ملفاً حدودياً معزولاً، وإنما أصبحت جزءاً من التوازنات المعقدة بين السودان وإثيوبيا ومصر وفي منطقة القرن الإفريقي وحوض النيل.

يونيو 2022.. مقتل الجنود يعيد شبح المواجهة

في يونيو/حزيران 2022 دخلت الأزمة مرحلة شديدة الخطورة.

أعلن الجيش السوداني مقتل عدد من جنوده ومدني، واتهم القوات الإثيوبية بأسرهم ثم قتلهم.

وأثارت الحادثة غضباً واسعاً في السودان وتصعيداً سياسياً وعسكرياً.

إثيوبيا رفضت الرواية السودانية وقدمت تفسيراً مختلفاً لما جرى.

لكن الحادثة أثبتت شيئاً واحداً:

الفشقة قادرة على نقل العلاقات بين البلدين من الهدوء إلى حافة المواجهة خلال ساعات.

لماذا الفشقة مهمة للسودان؟

لأنها ليست مجرد خط على الخريطة.

الفشقة أرض زراعية تقع في ولاية القضارف، إحدى أهم مناطق الإنتاج الزراعي في السودان.

وتتمتع بمساحات خصبة وموارد مائية وموقع استراتيجي.

لذلك ترتبط الفشقة بثلاث قضايا في العقل السياسي السوداني:

الأرض.

الأمن.

السيادة.

كما أن أي وجود مسلح غير سوداني داخل المنطقة يجعل القضية تتجاوز النزاع الزراعي لتصبح قضية أمن قومي.

*الأمهرا.. مفتاح مهم لفهم الأزمة*

هناك جانب آخر لا يمكن تجاهله.

قضية الفشقة ليست فقط علاقة بين الحكومة السودانية والحكومة الفيدرالية الإثيوبية.

فإقليم أمهرة والمجتمعات الموجودة على الجانب الإثيوبي من الحدود يمثلان عنصراً رئيسياً في الأزمة.

فهناك مزارعون إثيوبيون ارتبطوا اقتصادياً بأراضي المنطقة على مدى سنوات طويلة.

وتكونت شبكات مصالح زراعية وتجارية.

ولهذا فإن أي اتفاق بين الخرطوم وأديس أبابا يحتاج أيضاً إلى التعامل مع هذه المصالح والضغوط الداخلية الإثيوبية.

وهو أحد الأسباب التي تجعل التسوية أكثر تعقيداً مما تبدو عليه على الخريطة.

*حرب السودان 2023.. الأولويات تتغير*

في 15 أبريل/نيسان 2023 اندلعت الحرب بين القوات المسلحة السودانية ومليشيات الدعم السريع.

وفجأة أصبحت الأولوية بالنسبة إلى الدولة السودانية هي الحرب الداخلية والحفاظ على مؤسسات الدولة.

تراجعت الفشقة عن صدارة الأخبار.

لكنها لم تختف من الحسابات الاستراتيجية.

فالحدود ما زالت موجودة.

والأرض ما زالت تحتاج إلى إدارة.

والتداخلات الإقليمية لم تنته.

بل إن الحروب الداخلية تجعل الحدود أكثر أهمية، لأن ضعف الدولة في الأطراف يمكن أن يعيد إنتاج المشكلات القديمة.

هل انتهت القضية بعد استعادة الجيش للأرض؟

لا.

السيطرة العسكرية تغير الواقع الميداني، لكنها لا تنهي النزاعات الحدودية بصورة دائمة.

ما زالت هناك قضايا مرتبطة بتثبيت الحدود.

والمزارعين.

والتجارة الحدودية.

والطرق.

والتجمعات السكانية.

والترتيبات الأمنية.

ومنع الجماعات المسلحة من التحرك بين البلدين.

ولهذا فإن السؤال لم يعد فقط:

من يسيطر على الفشقة؟

VisionNews

بل:

كيف يمكن منع عودة الأزمة بعد عشر أو عشرين عاماً؟

*الفشقة وحلايب.. لماذا يختلف الملفان؟*

كثيراً ما تُذكر الفشقة وحلايب معاً باعتبارهما ملفي حدود بالنسبة إلى السودان.

لكن هناك فرقاً مهماً.

في حلايب، تتمسك مصر بالسيادة على المنطقة وتديرها فعلياً، بينما يتمسك السودان بمطالبته بها.

أما في الفشقة، فيقوم الموقف السوداني على أن الحدود التاريخية وضعت المنطقة داخل السودان، وأن جوهر الأزمة ارتبط بالتداخل والاستيطان والاستغلال الزراعي الإثيوبي وعدم تثبيت الحدود بصورة تمنع هذه التداخلات.

وفي حلايب يطالب السودان بأرض تديرها مصر.

أما في الفشقة فقد أعاد الجيش السوداني منذ 2020 فرض وجود الدولة على مساحات واسعة من المنطقة.

وهذا اختلاف جوهري بين الملفين.

*ثلاثة سيناريوهات أمام الفشقة*

يمكن تصور ثلاثة مسارات لمستقبل القضية.

الأول: استمرار الوضع الراهن

يحافظ السودان على وجوده العسكري والإداري في المنطقة، مع بقاء الخلاف السياسي دون تسوية نهائية.

وهذا السيناريو يمنع التغيير الميداني لكنه لا يمنع عودة التوتر.

الثاني: استكمال تثبيت الحدود

وهو المسار الذي يمكن أن يوفر حلاً أكثر استدامة.

تعمل اللجان الفنية والسياسية على تثبيت العلامات الحدودية بصورة واضحة، مع وضع ترتيبات للمزارعين والسكان والتجارة العابرة للحدود.

الثالث: عودة المواجهة

وهو السيناريو الأخطر.

فحادث حدودي أو هجوم على مزارعين أو تحرك لجماعات مسلحة يمكن أن يعيد التصعيد.

وفي ظل الأزمات الداخلية التي يعيشها السودان وإثيوبيا، فإن فتح جبهة جديدة لن يكون في مصلحة أي من الطرفين.

*الفشقة.. درس الدولة الغائبة*

ربما يكون أهم درس تقدمه الفشقة للسودان أن السيادة لا تُحمى بالخرائط وحدها.

الأرض تحتاج إلى دولة حاضرة.

تحتاج إلى طرق.

ومشروعات زراعية.

ومدارس.

ومراكز صحية.

وقرى مستقرة.

وشرطة.

وإدارة مدنية.

وقوات حدود.

وتحتاج قبل ذلك كله إلى مواطن يجد مصلحة في العيش والإنتاج والبقاء على الأرض.

VisionNews

فإذا غابت الدولة عن حدودها لسنوات، تتحول المساحات الفارغة تدريجياً إلى واقع جديد يصعب تغييره.

ولهذا فإن المعركة الحقيقية في الفشقة بعد انتشار الجيش ليست عسكرية فقط.

إنها معركة تنمية وإعمار وتثبيت للوجود السوداني.

*من 1902 إلى 2026.. الأرض التي ظلت تنتظر الحل*

أكثر من قرن مر على الاتفاقيات التي رسمت الحدود السودانية ـ الإثيوبية.

خلال تلك السنوات تغيرت الأنظمة والحكومات في البلدين.

سقطت الإمبراطوريات.

واستقل السودان.

وسقط هيلا سلاسي.

ثم منغستو.

وجاء ملس زيناوي ورحل.

وسقط عمر البشير.

وجاء آبي أحمد.

ثم اندلعت حرب تيغراي.

وبعدها حرب السودان.

لكن شيئاً واحداً لم يتغير:

الجغرافيا.

بقيت الفشقة.

وبقي المزارعون.

وبقيت الحدود.

وبقي السؤال القديم حول كيفية تحويل الخطوط الموجودة في الاتفاقيات والخرائط إلى حدود مستقرة لا تتحول كل عدة سنوات إلى ساحة للموت.

*الفشقة بين ذاكرة الصراع وحسابات المستقبل*

VisionNews

قضية الفشقة ليست قصة بدأت بمعارك ديسمبر 2020.

إنها قصة عمرها أكثر من قرن.

بدأت بترتيبات الحدود في مطلع القرن العشرين.

ثم جاءت عقود من التداخل الزراعي.

وتراكمت المصالح الإثيوبية داخل المنطقة.

وأدارت الخرطوم وأديس أبابا الأزمة بالتفاهمات السياسية لسنوات.

ثم جاءت حرب تيغراي عام 2020 وغيرت المشهد.

عاد الجيش السوداني إلى مناطق غاب عنها وجود الدولة الفعلي لسنوات.

وقعت المواجهات.

وسقط الجنود والمدنيون.

وأصبحت الفشقة مجدداً عنواناً للأزمة بين السودان وإثيوبيا.

لكن استعادة الأرض ليست نهاية القصة.

فإذا أراد السودان ألا تتكرر الأزمة بعد جيل آخر، فإن عليه أن ينتقل من استعادة الفشقة إلى إعمار الفشقة.

الطريق والمشروع الزراعي والمدرسة والمستشفى ونقطة الشرطة والقرية السودانية المستقرة لا تقل أهمية عن الموقع العسكري.

وفي المقابل، فإن استقرار الحدود يتطلب من السودان وإثيوبيا العودة إلى الحوار، واستكمال العمل الفني على الحدود، ووضع ترتيبات تمنع الاعتداءات وتحمي المزارعين وتسمح بالتجارة القانونية بين المجتمعات الحدودية.

الفشقة اليوم ليست مجرد أرض خصبة على الحدود الشرقية.

إنها درس كامل في معنى السيادة.

فالسيادة تبدأ باستعادة الأرض، لكنها لا تكتمل إلا عندما تعود الدولة والإنسان والتنمية إليها.

VisionNews

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى