التغراي والثورة التي سرقت …!!!
هل تعود اثيوبيا لمربع القتال الاهلي؟وما مدى انعكاسه على الوضع في السودان...
بقلم: ابوبكر بسيوني

يرتكز النظام القائم حاليا في اثيوبيا على دستور عام 1995 الذي ارسى نظاما فدراليا قائما على اقاليم مقسمة وفق اسس عرقية وقومية.
وقد اتاح هذا النظام لكل قومية وضع قوانين خاصة بها وتشكيل شرطة وقوات امنية على مستوى الإقليم وفق تركيبة يغلب عليها الطابع العرقي والقومي.
ومع مرور الوقت اسهم هذا النموذج في تعميق التوترات والانقسامات التي تشهدها الدولة الإثيوبية بدلا من ان يكون اطارا لاحتواء التنوع القومي والإثني.
وبحكم أن التيغراي كانوا القوة الاساسية في تأسيس النظام الجديد فقد استحوذوا على عدد كبير من المناصب السيادية ومفاصل الدولة وفي مقدمتها منصب رئيس الوزراء ووزارات الدفاع والامن وغيرها من المواقع الحساسة.
في المقابل ذهب منصب رئيس الدولة إلى المنافس التقليدي قومية الامهرا بينما ظلت حقيبة الخارجية موزعة بين النخب الامهرية والتيغراوية في حين توزعت بقية الحقائب الوزارية والمناصب السيادية على الاقاليم والقوميات الاخرى بدرجات متفاوتة.
وظل هذا الوضع قائمًا حتى عام 2018 حين اعتلى ابي احمد المنتمي الى قومية الأورومو زات الاقلبية السكانية منصب رئاسة الوزراء ليصبح اول رئيس حكومة من خارج قومية التيغراي منذ قيام النظام الفدرالي بصورته الحالية.
ومنذ وصوله إلى السلطةعمل ابي احمد على الحد من هيمنة التيغراي على مفاصل الدولة وتقليص نفوذهم السياسي والبرلماني كما عمل على اعادة تشكيل الائتلاف الحاكم الجبهة الثورية الديمقراطية الشعبية الإثيوبية التي حكمت اثيوبيا لمدة تزيد على ٢٠ عاما ودمج مكوناتها في كيان جديد طلق عليه اسم حزب الازدهار
وكان الهدف من هذه الخطوة وفق رؤية ابي احمد ابعاد السياسة الاثيوبية عن نموذج الفدرالية العرقية والسياسات القومية القائمة على اساس الانتماء الاثني والانتقال نحو مشروع سياسي اكثر مركزية يقوم على تجاوز هيمنة الاحزاب والتنظيمات المرتبطة بالقوميات والأقاليم.

لكن جبهة تحرير تيغراي رفضت الانضمام إلى هذا الكيان السياسي الجديد معتبرة أن ابي احمد فقد الشرعيته السياسية بعد تاجيل الانتخابات بعد انتهاء فترت حكمه وأن مشروعه السياسي يمثل تراجعا عن الحقوق والصلاحيات التي اكتسبها اقليم تيغراي في ظل النظام الفدرالي الذي ارسيت قواعده خلال عهد ملس زيناوي.
وفضلت الجبهة خيار المواجهة باعتبار أن حزب الازدهار يسعى الى الغاء او تقليص الحقوق التي اكتسبها الاقليم خلال سنوات الحكم الفدرالي واعادة تركيز السلطة في يد الحكومة المركزية بما يودي الى تغيير طبيعة العلاقة بين الحكومة الفدرالية والاقاليم.
وهذا الصراع الى جانب عوامل اخرى دفع عددا من الاقاليم الى الدخول في مواجهات مع الحكومة المركزية وظهرت حركات مسلحة ذات طابع قومي وسياسي في كل من الارومو وان كانت سلمية والامهرا وتيغراي.
ولم تكن هذه الحركات في كثير من الحالات معزولة عن مراكز النفوذ داخل الدولة بل ارتبط بعضها بشخصيات سياسية وامنية نافذة وبقيادات تمتلك تأثيرا داخل مؤسسات الدولة والأقاليم.
وازداد احتقان التيغراي مع حملات الاعتقال التي نفذتها الحكومة بحق عدد من الرموز التاريخية والسياسية في الاقليم، وكان من ابرز المستهدفين سبحت نغا مؤسسي جبهة تحرير تيغراي عام 1975.
وقد اسهمت هذه الاجراءات في تعميق حالة الاحتقان وتحويل الخلاف السياسي تدريجيا إلى مواجهة مفتوحة بين الحكومة الفدرالية والقيادة التيغراوية.
ومع تصاعد التوتر اخذ الصراع منحى عسكريا واضحا في عام 2020 عندما اندلعت الحرب بين جبهة تحرير تيغراي والحكومة الفدرالية واستمر القتال حتى عام 2022، حين تم التوصل إلى اتفاق لوقف الأعمال العدائية عُرف باسم اتفاق بريتوريا.
الا أن اتفاق بريتوريا لم يضع حدا نهائيا لجذور الصراع اذ سرعان ما ظهرت خلافات سياسية جديدة حول توزيع السلطة وشكل الدولة وحدود صلاحيات الحكومة الفدرالية ومستقبل ادارة اقليم تيغراي الى جانب قضايا المناطق المتنازع عليها وعودة النازحين وترتيبات القوات المسلحة.
وقد اسهم استمرار هذه الخلافات في بقاء حالة التوتر قائمة ولا سيما في المناطق الغربية من اقليم تيغراي المتاخمة للحدود مع السودان وإريتريا الامر الذي جعل الصراع في تيغراي يتجاوز كونه أزمة داخلية اثيوبية ليمتد تاثيره الى دول الجوار وعلى راسها السودان واريتريا ويصبح جزء من معادلة الصراع الأوسع في منطقة القرن الأفريقي.
وفي ظل هذه المخاوف نجد أن المعارك الدائرة حاليا في الشريط المتاخم لمنطقة الفشقة بين مقاتلي التقراي والحكومة الاثيوبية تحمل انعكاسات سلبية على الولايات السودانية المتاخمة لها، تتمثل في زيادة تدفق اللاجئين وعرقلة النشاط التجاري والزراعي في مناطق الفشقة ورفع مستوى المخاطر الامنية على الحدود.
جعل كثير من المراقبون بان يستفيد متمردي السودان من حالة الهشاشة الامنية علي الشريط الحدودي لفتح جبها جديدة للدعم السريع في منطقة الفشقة
رغم ذلك يرى البعض عكس ذلك
و قد لا يصل الامر بحكومة ابي احمد الى نقل دعمها الى المتمردين في السودان لفتح جبهة جديدة في منطقة الفشقة وذلك لعدة اسباب.
اولها أن التركيبة السكانية والقبلية تختلف بصورة جوهرية عما هي عليه في منطقة النيل الأزرق ففي تلك المنطقة يوجد تداخل اثني وقبلي بين مكونات محلية وقوات مسلحة تنشط على جانبي الحدود الأمر الذي يمكن أن يوفر في بعض الظروف خطوط إمداد وحركة وانسحاب أكثر انفتاحا.
اما في منطقة الفشقة فان الوضع يختلف اختلافا كبيرا اذ لا يتوافر المستوى نفسه من التداخل القبلي الذي يمكن ان يوفر بيئة حاضنة او ممرات امنة للقوات المتحركة عبر الحدود.
وثانيا فان ايجاد موطي قدم لقوات الدعم السريع في الفشقة قد يخدم مقاتلي التقراي اكثر مما يخدم الحكومة الاثيوبية نفسها اذ يمكن أن يجعل من الأراضي السودانية نقطة انطلاق وممرًا مفتوحا لخطوط الامداد والدعم القادمة عبر السودان وإريتريا وهو ما قد يحول منطقة الفشقة الى ساحة صراع متعددة الأطراف بدلا من ان تبقى جبهة حدودية يمكن التحكم في تداعياتها.
كما ان اي تحرك عسكري لقوات الدعم السريع في الفشقة قد يضعها في عزلة تامة بين مقاتلي التقراي والجيش السوداني والاريتري فضلا عن احتمالية انقطاع طرق الامداد واعادة التموضع وهي من اهم عناصر الحركة والمناورة التي تعتمد عليها قوات الدعم السريع في عملياتها العسكرية.
ومن ناحية اخرى فان الحكومة الاثيوبية لا يمكنها تجاهل التقارب التاريخي بين الحكومات السودانية وإقليم تيغراي ولا مساهمة السودان عبر حقب مختلفة في دعم التيغراي وما قدمه من دعم خلال مراحل الصراع التي انتهت باسقاط نظام منغستو هيلا مريام وهو تاريخ يجعل الخرطوم بالنسبة إلى اديس ابابا جزءا من معادلة تيغراي وليس مجرد طرف حدودي محايد.
ومن هنا تتغير حسابات ابي احمد في التعامل مع الساحة السودانية لا يمكن فصلها عن هواجسه تجاه تيغراي ولا عن حساسية الحدود الممتدة بين السودان واثيوبيا واريتريا.
ومع ذلك فان كل هذه العوامل لا تمنع بالضرورة مقامرة حكومة ابي احمد وإنما تجعل الإقدام عليها قرارا بالغ الخطورة والتكلفة. ولذلك يبقى السؤال الاهم هل تمتلك حكومة ابي احمد بالفعل حرية اتخاذ مثل هذا القرار ام أن هناك قوى ومصالح داخلية وإقليمية قد تدفعها إلى خيارات لا تملك وحدها كامل السيطرة على مساراتها ونتائجها؟